فوزي آل سيف

51

النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي

وعبر عن فكرتها الشيخ المهاجر بقوله: "الفكرة التي تقوم عليها حجة الإمام هي أن الهواء/ الفراغ الذي هو شرط حصول الرؤية غير متصور بين الله تعالى وبين الرائي المزعوم، لأنه يقتضي أن وجود كليهما محدود على حد سواء، ينتهي بالنقطة التي يبدأ عندا الفراغ الفاصل بينهما. والخُلْف في هذا واضحٌ بغنىً عن البيان لأن وجود الباري سبحانه كليٌّ مطلق في حين أن وجود الانسان جسمي محدود ولذلك تستحيل رؤية الله تعالى".[166] الثانية / وفي رواية أخرى ينقلها الشيخ الصدوق في كتابه التوحيد بسنده عَنْ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ عليه السلام؛ أَسْأَلُهُ عَنِ الْجِسْمِ وَالصُّورَةِ؟ فَكَتَبَ عليه السلام: سُبْحَانَ مَنْ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا جِسْمٌ وَلَا صُورَةٌ.[167] الثالثة / وفي نفيه لرؤية أي أحد لله سبحانه (من الأنبياء فنازلًا) يقول الإمام لم تقع عليك عيون لا بإشارة ولا عبارة وذلك في مناجاته لله تعالى، وهو يبين لنا أيضا أحد وظائف المناجاة والدعاء، حيث منها تصحيح المفاهيم ونشر المعرفة الدينية. ففي توحيد الصدوق بسنده عن أبي الحسن علي بن محمد عليهما السلام، أنه قال: (إلهي تاهت أوهام المتوهمين وقصر طرف الطارفين، وتلاشت أوصاف الواصفين، واضمحلت أقاويل المبطلين عن الدرك لعجيب شأنك، أو الوقوع بالبلوغ إلى علوك فأنت في المكان الذي لا يتناهى ولم تقع عليك عيون بإشارة ولا عبارة هيهات ثم هيهات! فهو في آخرها يقول: لم تقع عليك عيون بإشارة ولا عبارة! وهو ينفي بذلك الرؤية نفيا تاما، بل يستفيد بعض الشراح[168]أنه حتى الصورة العلمية والعبارة الواصفة لم تقع على الله سبحانه. الرابعة / بل وجدنا تفسيرا دقيقا[169]للإمام عليه السلام، لآية السماوات مطويات بيمينه والتي استدل بها المجسمة على وجود يمين لله! قد فسرها الإمام بنحو آخر ينفي هذه الفكرة، ففي حديث ينقله الشيخ الصدوق في التوحيد[170] قال: سألته عن قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ – (وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ)[171] فَقَالَ: ذَلِكَ تَعْيِيرُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِمَنْ شَبَّهَهُ بِخَلْقِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ: (وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ) وَمَعْنَاهُ إِذْ قَالُوا إِنَّ - الْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ؟ كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: (وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ)[172]ثُمَّ نَزَّهَ عَزَّ وَجَلَّ نَفْسَهُ عَنِ الْقَبْضَةِ وَالْيَمِينِ فَقَالَ – (سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ). فإن التفسير المعهود لها هو: أن الله يتحدث عن قوم بأنهم ما قدروا الله حق قدره وما عرفوه حق معرفته، والحال أن الأرض جميعًا في قبضته وتحت سلطته، وأن السماوات مطويات بيمينه! والغريب أن هذه الآية قد استدل بها المجسمة والمشبهة على أن الله تعالى وتقدس له قبضة ويمين وأن السماوات موجودة فيها! بينما رأى سائر المسلمين أنها كناية عن أن كل شيء تحت تصرفه، فلا معنى لأن يتحدث في أن هذه في يده اليمنى وتبقى اليسرى فارغة!! أو أن كلتا يديه يمين بالمعنى الحرفي! وإنما المقصود هو ذاك، تماما مثلما تقول أن السلطان الفلاني أصبح البلد بتمامه في قبضته أو تحت يده، لا بالمعنى الحرفي للكلمة، وإنما بمعنى أنه سيطر عليه وتصرف فيه من غير منازعة.

--> 166 ) المهاجر: الإمام الهمام الهادي 138 167 ) الصدوق: التوحيد ٩٧ ونلاحظ هنا أن الإمام عليه السلام قد نفى كلا الأمرين، وكأنه يشير في ذلك إلى ما كان منتشرا عند أهل الحديث المجسمة من أن الناس يرون الله في الصورة التي يعرفونها!! وقد مر ذكر ذلك قريبا. وفيه نفي باتٌّ لها وللجسم الذي جعلوا جسم آدم نموذجًا لصورة الله! 168 ) القمي؛ القاضي سعيد: شرح توحيد الصدوق١/٣٦٤ و« العبارة » بمعنى ما يعبّر به عن الشيء. والمراد ب « العيون » أعمّ من عيون الأبصار وعيون القلوب والعقول؛ فكما انّه لا يشير إليه تعالى العين الحاسة إشارة حسيّة ولا يعبّر عنه بمثال وشبح أو صورة، كذلك عين العقل لا يشير إليه إشارة عقلية ولا يعبّر عنه بأمر معقول مدرك ولا ماهيّة معلومة إذ لا يحيطون به علما ولا يخرقون إلى ذي العرش سبيلا. 169 ) أشار العلامة المجلسي في البحار ٤ / ٢ إلى التفسيرين، ما قاله الإمام عليه السلام، والتفسير بتأويل اليد والقبضة بالقدرة والسيطرة. 170 ) الصدوق: التوحيد١٦١ 171 ) الزمر: 67 172 ) الأنعام: 91